إعلان سريع: في التحديث الجديد من نشرة، وكيل الذكاء الاصطناعي يبني لك أي شيء في مساحة العمل. حتّى الأتمتة المُعقّدة. جرّبوه وبلغوني باحتياجاتكم. بنطوّر عليه.
قبل أسبوع كتبتُ أنّ الخبير الفرد يحتاج إلى تموضع مزدوج: أن يتخصّص في مشكلة واحدة، ولعميل واحد. والسبب بسيط: هو شخص واحد، وانتباهه محدود، وقدرته على جمع المهارات محدودة، والمنافسة تزداد كلّ يوم.
هذا الأسبوع قرّرتُ أن أحاول هدم هذه الفكرة.
هدم أفكارك هي أسهل طريقة لتتعمّق في الخِبرة. عندما تبحث عن استثناءات ومشاكل قواعِدك بنفسك تفهمها بشكل أدق. في هذا المَقال ناخد السوق السعودي كمثال.
أوّلًا: السياق، السوق السعودي
بحسب تقارير وزارة الموارد البشرية، تجاوز عدد المسجّلين في العمل الحرّ في المملكة ٢.٢٥ مليون شخص. وبحسب تقرير برنامج التحوّل الوطني لعام ٢٠٢٥، صدرت أكثر من ٤٣٠ ألف وثيقة عمل حرّ. لكنّ اللافت أنّ ٣٨٪ من النشاط الحرّ في التجارة والتجزئة، بينما لا تتجاوز خدمات الأعمال ١١٪.
أي أنّ المنافسة كبيرة في المجمل، لكنّها ليست موزّعة بالتساوي. وهذا مهمّ لكلّ نقطة قادمة.
الاعتراض الأوّل: تبدأ باختيار التخصّص من أنماطك
المُشكلة الأولى:
من لديه سنتين خبرة لا يعرف للآن أيّ مشكلة وأيّ عميل يناسبانه. فإن ضيّق على نفسه من الجهتين مبكّرًا، قد يحبس نفسه في التخصّص الخطأ.
المُشكلة الثانية
إذا انت أصلاً في قطاع الخطأ اليوم فتخصّصك من خلال أنماطك ما حيكون أحسن قفزة. هنا نحن في شغّالين حرفيّاً داخل الصُندوق.
هل تصمد الاعتراضات؟ جزئيًا. الخبير المبتدئ يحتاج فعلًا إلى عدد كافٍ من الحالات حتّى يرى النمط. لكنّ هذا لا يهدم القاعدة، وإنّما يضيف لها شرطًا زمنيًا: التموضع المزدوج نتيجة للتجربة. في البدايات جرّب كُل شيء، ثمّ ضيّق حين تتكرّر أمامك نوع واحد من المَشاكل والعُملاء.
هذا الحل يُقدّم مشكلة جديدة، وهي الوقت المُستهلك. هنا الحل أنّي استعين باستشاري لأنّه أيضاً بيحل المُشكلة الثانية.
الاعتراض الثاني: المُبالغة في التخصّص
الفكرة: إذا اخترتَ مشكلة ضيّقة لعميل ضيّق، قد لا تجد إلّا خمسين مشتريًا.
هنا السعودية تقدّم إجابة واضحة. سوق فيه أكثر من مليوني عامل حرّ، وملايين المنشآت الصغيرة، ليس سوقًا صغيرًا. التخصّص الضيّق جدًا في الرياض قد يكون أوسع من التخصّص العامّ في مدينة صغيرة في بلد آخر.
ولكي لا يبقى الأمر تقديرًا، يضع ديفيد سي. بيكر في مدوّنته punctuation.com معيارًا عمليًا: أن يكون أمامك بين ٢٠٠٠ و١٠٠٠٠ عميل محتمل، وبين ١٠ و٢٠٠ منافس. فإن كان تخصّصك يقع داخل هذا النطاق، فالسوق كافٍ.
لكنّ الاعتراض يصمد في حالة واحدة: إذا كان الخبير يبيع باللغة العربية في تخصّص نادر جدًا، أو لعميل نادر الوجود. حينها يجب أن يتّوسع على ناحية واحد على الأقلّ، إمّا المشكلة وإمّا العميل.
الاعتراض الثالث: الشُهرة تغلب التموضع
الفكرة: بعض الخبراء يبقون واسعين ويربحون، لأنّ الناس يشترونهم هم، لا يشترون تخصّصهم.
هذا صحيح، والأمثلة في السوق السعودي كثيرة. لكن ادرس كيف وصل هؤلاء إلى هذه السمعة. في الغالب بدأوا بمشكلة واحدة عُرفوا بها، ثمّ توسّعوا تدريجيّاً بعد أن أصبح الاسم وحده يكفي. وهذا ما يسمّيه آل ريس وجاك تراوت في كتاب «القوانين الـ٢٢ الثابتة في التسويق» قانون التركيز: أن تمتلك كلمة واحدة في ذهن العميل. فالسمعة نفسها تُبنى بالتركيز أوّلًا،
مُلاحظة: أنا لا أعتقد أن التوسّع بالشُهرة خُطوة ذكيّة للاستشاري أساساً. إلّا إذا بدأ نموذج عمل جديد. مثلاً شركة تدريب وبطّل مستشار أصلاً.
الاعتراض الرابع: المنافسة تنقلب
الفكرة: إذا تخصّص الجميع تخصّصًا مزدوجًا، ستزدحم التخصّصات أيضًا، ويعود التفوّق لمن يملك الجمهور الأكبر.
هذا أقوى الاعتراضات. حاليّاً تكوّن خدمات الأعمال ١١٪ فقط من سوق العمل الحرّ، فما زال هناك متّسع. لكنّ النموّ سريع، والتخصّصات الشائعة ستزدحم. والحل هنا ليس أن تتوسّع أنت، وإنّما أن تضيف طبقة ثالثة في تخصّصك: منهجيّتك الخاصّة في الحلّ، التي لا يستطيع غيرك أن يدّعيها.
مناسب هنا أن انبّه على أنّي أعرف ناس كثر جاؤوني وهم يدّعون أن لديهم تكنيك مميّز في حل مُشكلة العميل. والخَلل هنا هو أن الترتيب مهم. يعني منهجيّة مميّزة بدون تخصّص أساساً مميّز مالها قيمة. ليه؟ لأن الحل المميّز العميل أصلاً ما حيجرّبه ولا حيسمع عنّه إذا ما كان عندك تخصّص. التخصّص هو رسالتك التسويقيّة اللي تلفت الإنتباه.
وهنا حقيقة أهمّ: التموضع ليس قرارًا تتّخذه مرّة واحدة، وإنّما تمرين دائم في التكيّف. ولهذا ينصح بيكر في كتابه «The Business of Expertise» بمراجعة التموضع وضبطه كلّ خمس سنوات تقريبًا. أرقامه التي ذكرتها تتغيّر مع الوقت. فإن وجدتَ أنّ المنافسين في تخصّصك تجاوزوا المئتين، فأمامك طريقان: أن تنتقل إلى تخصّص مجاور، أو أن تركّز أكثر وتنزل إلى فرع أدقّ داخل تخصّصك. وفي الحالتين، أنت تتكيّف مع سوق يتحرّك بين العملاء والمنافسين.
الفائدة من نقد أفكاري؟
خرجتُ بنظرية أعمق من التي بدأتُ بها:
التموضع المزدوج صحيح للخبير الفرد، لكن بثلاثة شروط. أن يأتي بعد تجربة كافية لا قبلها. وأن يكون السوق كبيرًا بما يكفي لمحورين ضيّقين. وأن يُراجَع باستمرار، فيتكيّف حين يزدحم التخصّص.
وهذا بالضبط ما يحدث حين تحاول أن تهدم فكرتك: لا تخسرها، بل تعرف حدودها.
